مجد الدين ابن الأثير
253
المختار من مناقب الأخيار
وطنه . وقال آخر : الغريب من فارق أحبابه . وقال كلّ واحد منهم شيئا فقال إبراهيم : الغريب في زماننا رجل صالح ، عاش بين قوم صالحين : إن أمر بالمعروف آزروه ، وإن نهى عن المنكر أعانوه ، وإن احتاج إلى سبب من الدنيا ما نوه ، ثم ماتوا وتركوه « 1 » . وقال محمد بن خلف : كان لإبراهيم الحربي ابن ، وكان له إحدى عشرة سنة ، وقد حفظ القرآن ، ولقّنه من الفقه شيئا كثيرا ، فمات ، فجئت أعزّيه فقال لي : كنت أشتهي موت ابني هذا . قلت : يا أبا إسحاق ! أنت عالم الدّنيا تقول مثل هذا في صبيّ قد أنجب ، ولقّنته الحديث والفقه ! قال : نعم ، رأيت في النوم كأنّ القيامة قد قامت ، وكأنّ صبيانا بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس يسقونهم ، وكان اليوم حارّا ، شديد « 2 » حرّه ، فقلت لأحدهم : اسقني من هذا الماء . فنظر إليّ وقال : ليس أنت أبي . فقلت : فأيّ شيء أنتم ؟ فقال : نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلّفنا آباءنا نستقبلهم فنسقيهم الماء . فلهذا تمنّيت موته « 3 » . وقال محمد بن بنان : حضرت مع أبي وأخي عند أبي إسحاق - يعني إبراهيم الحربي - فقال إبراهيم لأبي : هؤلاء أولادك ؟ قال : نعم . قال : احذر لا يرونك حيث نهاك اللّه فتسقط من أعينهم ( 3 ) . وقال إبراهيم : ما أنشدت بيتا من الشعر قط إلا قرأت بعده قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] ثلاث مرّات « 4 » . وقال أبو عبد الرحمن السّلمي : إنه سأل الدارقطني عن إبراهيم الحربي فقال : كان إماما ، وكان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه « 5 » .
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 6 / 36 . ( 2 ) كذا في الأصل ، وفي تاريخ بغداد : « وكأن اليوم يوم حارّ شديد حرّه » . ( 3 ) تاريخ بغداد 6 / 37 . ( 4 ) تاريخ بغداد 6 / 39 . ( 5 ) تاريخ بغداد 6 / 40 .